اللجين


منتدى عام
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 د. أبو الحسن سلام :-- المسرح الشعرى ولا عزاء للنقاد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


عدد المساهمات : 55
تاريخ التسجيل : 16/03/2012

مُساهمةموضوع: د. أبو الحسن سلام :-- المسرح الشعرى ولا عزاء للنقاد    الأحد أبريل 15, 2012 1:48 am

lol! lol! lol! lol! lol!


يعول الأدب والفن تعويلاً كثيراً على التاريخ وعلى الفلسفة عند التعرض لقضايا أو مظاهر حضارية أو مدنية لها مماثلات في حقب تاريخية أو أوعية فلسفية تقبل الانعكاس على حياة عصر عاشه المبدع نفسه أديباً كان أم فناناً ؛ دون أن ينسب الإنتاج الفني أو الأدبي إلى التاريخ أو إلى الفلسفة ، حتى وإن اصطبغ إنتاج أدبي أو فني ما بصبغة فلسفية أو حاكى واقعة تاريخية ما ؛ ذلك أن من خصائص الفن أن يخلق دلالات مهمة لا تحاكي المصادر التاريخية ، وإنما تشاكلها أو تنقضها ، فهي لا ترتدي زي المنطق الفكري لفلسفة ما أو تتقنع بقناعها ، حتى ولو سعى المبدع أديباً أو فناناً نحو كسب التأييد لفكر فلسفي بعينه نذر نفسه لنشره أو لتشخيص حدث تاريخي ما أو إضاءة شخصية تاريخية بالإيجاب أو بالسلب ، فالمصادر والمدنونات الفلسفية والتاريخية والوثائق والآثار والبرديات والمسكوكات بالنسبة للأديب أو الفنان هي مجرد عوامل مساعدة للإبداع على الاقتراب من الحقيقة التاريخية المجردة.
أما الفن نفسه قولياً كان أم تشكيلياً أم نغمياً فهو الذي يساعدنا على الكشف عن روح العصر ومقارباتها مع ما يجانسها من التماعات ماضية ، فضلاً عن أن الشعر حين يستعين بالمصدر التاريخي أو المدونة فإنه ينطلق من استلهامات الشاعر نفسه وهذا كله ينطبق على استلهامات الشاعر مهدي بندق من التاريخ الفرعوني في رباعيته المسرحية الفرعونية ومن التاريخ اليوناني في ثلاثيته المسرحية اليونانية. ومن التاريخ العربي الإسلامي في ثنائيته المسرحية العربية الإسلامية دون أن يلتزم التزاماً حرفياً بتفصيلات الأحداث والشخصيات ولكنه في الوقت ذاته نفخ فيها من روحه الإبداعية الشاعرة وضخ فيها من عصارة فكره التنويري حيناً أو التثويري أحياناً فصارت الوقائع في أحداث مسرحياته الشعرية من خلقه هو ؛ ملتحمة بنسيج عصره بعد أن افترقت فراقاً طبيعياً عن مصدرها التاريخي أو الفلسفي . فهي تحمل دماءه في شرايينها كما تسير الشخصيات فيها على هدى فكره هو ، وتخطو خطواتها بقدم حديدية على إيقاع نبضه دون أن تفقد إرادتها ، ودون أن تذوب شخصيتها في شخصيته ؛ ذلك أن بين الشاعر وشخصياته حوارية قطع ووصل ؛ فهو يمدها بما تحتاجه من فكر وحركة وعلاقات وبواعث تحمل صفة اجتماعية معاصرة حتى وإن تزيّت بزي تراثي أو تاريخي – فهي تسعى وراء العدل الاجتماعي حيث تنغمس الذات الفردية للشخصية عنده في طبقتها الاجتماعية التي تنتمي إليها ؛ فشخصياته منتمية إلى طبقتها . أما الشاعر نفسه فيتوارى خلف شخصية ما من
شخصياته إذ يجد كل منهما نفسه منجذباً إلى الآخر ؛ متوحداً معه أو صديقاً ومن ثم تقبل أن يتخذها قناعاً يحمّله ببعض من أفكاره التنويرية أو التثويرية لأنها في أصلها التاريخي التراثي كانت شخصية متمردة ولذلك وجدنا المصادر الأسطورية والخرافية المستلهمة من التراث عند الشاعر المسرحي مهدي بندق مجرد انعكاسات للتراث على ذاته يسقطها إبداعاً تنويرياً على عصره لكثرة ما انعكست احباطات واقعنا المعيش على مرآة ذاته، متصلة مع إحباطات الغالبية الشعبية ، عبر تاريخنا . وهو يعيد إنتاجها في نسيج إبداعه المسرحي الشعري ؛ لا لتثير فينا نفحات من الخلود شأن وظائف الأسطورة أو لتغيبنا عن اللحاق بركب المدنية والتحضر ، كما هي حال الخرافات ؛ بل لتحرك فينا فعل الرفض ، مع فاعلية الهدم والبناء معاً. فهو يستدعي اللحظة التي تتحرك فيها الشخصيات ليدخلها في لحظة عصره المعيش بشكل مطلق ، بحيث يبدو لنا كل شيء موجوداً في اللامكان واللازمان ممتطياً براق الشعر المحلق بشخصياته الدرامية عبر سماوات الفضاء المأمول ، محلقين في اتجاه سدرة الفعل الدرامي المقتحم لواقع أمتنا في محاولة أخيرة للنجاة من هيار زمن منزلق انسحبت فيه كل قيم التقدم وجرفت معها قيم التعبير عن النبالة الإنسانية التي شغل بها الإبداع الدرامي الشعري قروناً طويلة والتي اقترن بها في مائة السنة الأخيرة أدبنا العربي الحديث.
ومن أسف أن هذا الفن الجميل فن الشعر قد انسحب متسللاً بعيداً عن جنة التعبير الدرامي؛ ربما لأن الفكر العربي قد كف عن الاشتباك الجدلي الوطني مع الوجدان الذاتي / الجمعي وربما لأن مجتمعاتنا لم تعد تشهد تحولات عظيمة ونبيلة ، مما افتقدنا معه فنوناً عظيمة ونبيلة هي الجديرة بالتعبير عن عظمته ونبالته ؛ وانزوى معه بالتبعية القليل القليل من المقالات النقدية للشعر وللمسرح الشعري في خندق صحافي ناقد يحتمي بقلم بليد أو مأجور . واقتصرت الدراسات النقدية للقليل الذي نادراً ما يقع بين أيدي عشاق المسرح الشعري ودارسيه من نصوص أو عروض مسرحية شعرية قد تنتجها المصادفة مرة – ربما – كل ربع قرن.
ومع إقرارنا بمدى الجهد الذي يشكله الإقدام على إبداع نص مسرحي شعري – ناهيك عن عرضه – فإننا نقرر بكل أسى أن حركة نقد الشعر بشكل عام وحركة نقد المسرح الشعري تكاد تكون معدومة . وكذلك من النادر أن ينبري باحث أكاديمي جاد لدراسة الشعر .
ولذلك شعرت بالسعادة عندما رأيت هذا البحث القيّم ، الذي أنجزته الباحثة (أماني عبد الجواد) ونالت عنه درجة الماجستير من كلية الآداب بجامعة المنيا. وزادت سعادتي عندما قرأت جهدها البحثي في تقصي مواطن
الإبداع المسرحي الشعري للشاعر والمفكر الوطني مهدي بندق ؛ فذلك جهد فوق الطاقة ؛ إذ كان عليها أن تعبر مساحات الإبداع بزورق التحليل فتغترف من النص لذته وتحوز قيمه في تتابع صور الإبداع الممتعة وشطح الأفكار المقنعة ، إذ لولا شطحات الفكر لانتهى الأمر بانتهاء النظر في تدبر العبر.
ولا أخفي القارئ سراً إذا قلت إنني لما قرأت اسم مهدي بندق على غلاف البحث اشفقت على ابنة المنيا السمراء وقلت لنفسي: هل وصل مهدي بندق إلى عاصمة الفكر في صعيد مصر الحدثية ومهد ديانة التوحيد في العصور الغابرة ؟! كيف وإيمانه بفكرة التعدد راية ترتفع على صرح بنايته المسرحية الشعرية عالية في (آخر أيام إخناتون) منذ بدأ العد التنازلي لعصر الأدلجة وتداعنت صروحه السياسية الهشة . كيف وقد كانت تلك الرقعة الخصيبة من أرض الكنانة ملاذاً للإقطاع منذ وطأت فلول البداوة أرض الكنانة ؟
ولكن سريعاً ما استدركت أنها موطن طه حسين أحد الكبار القلائل من علماء التنوير في مصر الحدثية وما حولها . غير أنني كلما حاولت تجنب الخوض فيما شغلت به من خارج جهد الباحثة لأوجه نظري نحو جهدها العلمي يعاودني الإشفاق عليها من عبور شلالات مهدي المسرحية الشعرية بما فيها من وهاد ونجود فكرية تتلبس ألواناً مركبة من حيل التصوير والتخييل الشعري الذي تتخذها الأفكار التنويرية والتثويرية أقنعة تتسرب عبر وعي المتلقي ملغومة بالتماعات حداثية صفّاها الشاعر الدرامي المفكر من رواسب ثقافاتنا الفرعونية والإسلامية وشذّبها وصقلها لتتلألأ فتضيء ركناً من أركان ظلمتنا المعاصرة في عصر سيطر فيه مسخ قبيح على سماوات العالم وفضاءاته أرضاً وبحراً وجواً ، حتى لم يبق لمواطنة ما فسحة لتمارس فضيلة اختلاس مجرد نظرة عابرة لوجه هويتها المتسربة عبر شروخ قوميتها المتداعية.
لكن على الرغم من ذلك كله ؛ فقد اجتذبتني جدية هذه الدراسة من بين ركام مشاغلي الكثيرة ، لأنها أيقظت بداخلي عشقاً سكنني منذ الصغر ؛ عشقاً اسمه التراث ، كما جددت شوقي لفعل القراءة في المسرح الشعري – خاصة مسرح مهدي بندق – وكنت قد توقفت وقوفاً اضطرارياً عن إدمانه وتعاطيه مع ولعي بكل ما أبدع وطربي له إبداعاً يتزيى بالمبتكر من الصور ويتنفس بعبير الوجدان ويحيا باستنارة الفكر انطلاقاً من التماعات الحداثة المشتبكة مع القليل النافع من التماعات التراث.
أما بعد .. فماذا في بحث ابنتنا الشابة من جدية المنهج وجديد الاستنتاجات وكيف ربطت استلهامات الشاعر بالمصادر وكيف نظرت إلى فنون توظيف استلهاماته التراثية توظيفاً درامياً وجمالياً في آن واحد ليمتع ويقنع
فيؤثر.
أولاً : حول إشكالية البحث : لم تعن الباحثة بالنص في مقدمة البحث عن الإشكالية ، غير أن ذلك قد تُرك - فيما يبدو – للقارئ . (والمنهج العلمي لا يوافق على مثل ذلك) وعلى كل فقد تكشفت لي من قراءة البحث منظومة المشكلات التي ستتصدى لها فوجدت أنها تتمثل في تعارض معطيات الحداثة - في ظل نفي بعض الحداثيين في إحدى توجهاتهم للتراث جملة وتفصيلاً – مع الكثير الكثير من الترسبات التراثية التي أصابت التراث بالسكتة العقلية فأوقفت تدفق سريانه في قنوات الاتصال المعاصرة .
ثانياً : حول الهدف من البحث : لفت الأنظار إلى جيل بأكمله من الشعراء لم يحظ بالدراسة الكافية من قبل النقاد والأكاديميين . وتتخذ الشاعر المسرحي مهدي بندق مثالاً لذلك الجيل بوصفه مبدعاً متواصل العطاء في مجال الإبداع الشعري المسرحي منذ أربعين عاماً مضت.
ثالثاً : مجال البحث : المسرح الشعري
رابعاً : مصطلحات البحث : يبدو أن الباحثة لم تصطدم بمفهوم ملتبس فيما ستبحث ؛ يستلزم الوقوف عنده
خامساً : منهج البحث : تقول الباحثة إنها اعتمدت في بحثها على ما شاع عن وجود (منهج تكاملي) يجمع بين عدد من المناهج . وأود أن أشير هنا إلى هذا الجمع بين المناهج هو جمع تلفيقي. وهي تحدد ذلك بـ : (المنهج التاريخي ، التحليلي ، الفني) والتحليل أسلوب تحقيق المنهج فكل بحث يتحقق منهجه إما بالتحليل وإما بالتفكيك . ولست أدري ما هو المنهج الفني ، هل تقصد المدارس الأدبية والفنية؟! وليس هناك إبداع أدبي أو فني لا تتداخل فيه عدة أساليب وإن ظهر أحدها على غيره فأشار إلى النقد بتتويجه على المنتج الإبداعي نفسه لينسبه إلى الأسلوب المسيطر والمتحكم في البنية الفنية أو الدرامية لذلك المنتج الإبداعي نفسه .
على كل حال وبعد مراجعتي للبحث وجدت أنها وظفت المنهج الوصفي (تحليل المحتوى) وصولاً إلى ما هو مستلهم من التاريخ الفرعوني (في الفصل الأول) والوصول إلى ما هو مستلهم من التراث اليوناني (في الفصل الثاني) وإلى ما هو مستلهم من التراث العربي والإسلامي (في الفصل الثالث) . كما تأسس الفصل الرابع والأخير على المنهج نفسه (تحليل محتوى البناء الدرامي في عشر مسرحيات شعرية ) وإن كانت قد عنونته بـ(البناء الفني) مع أن البناء الدرامي شيء والبناء الفني شيء آخر والفرق بينهما شاسع ، لأن البناء الدرامي يرتكز على (الشخصيات – الصراع – الحوار – الحبكة) وتلك ركائز الكتابة الدرامية في كل عمل درامي – زادت أو نقصت – أما البناء الفني فهو الذي يتمثل فيه أسلوب المبدع من حيث شخصيته وبصمة
حيله وانعكاس ذاته على ركائز البناء الدرامي .
ركائز المنهج : لكل منهج ركائزه التي يمارس فعاليته في التوصل إلى صحة المنهج تبعاً للفرض الذي افترضه الباحث في عرضه لإشكالية بحثه إذا كان المنهج تجريبياً أو صحة التقدير بقياس الكل الغائب عن طريق الجزء المعلوم إذا كان المنهج استنباطياً. ولأن مادة بحثها (النصوص المسرحية الشعرية لمهدي بندق) حاضرة كلها والمصادر التي استلهم منها الشاعر حاضرة في مظانها وفي مصادرها التاريخية المدونة ، فإن منهجها القائم على تحليل محتوى تلك النصوص المسرحية الشعرية ومقارنتها بالمصادر التاريخية التي استلهمت منها وصولاً إلى موقف الشاعر نفسه من تلك المصادر وكيفية إسقاطه لها على عصره في واقعه المعيش، والجديد الذي أضافه ، وتقنيات نسج تلك الاستلهامات شعرياً ودرامياً وفنياً وكيفية مزاوجته لفنون الشعر وفنون الدراما بما لكل منهما من خواص التكثيف وقيمة إبداعاته تلك أو صداها وانعكاساتها على مجتمعه.
ولأن منهجها وصفي ينطلق في اتجاه تحليل المحتوى ، لذلك ارتكز على عناصر متوحدة في وقفاتها التحليلية أمام كل عمل من أعمال الشاعر المسرحي نفسه ، حيث ركزت على ثلاث ركائز ، ناقشت من خلالها نصوصه المسرحية وهي :
(مناط الاستلهام المسرحي – المصدر التاريخي – قضية العدالة الاجتماعية) ومعنى هذا أنها قارنت بين الاستلهام المسرحي في النص والمصدر التاريخي لذلك الاستلهام ثم أعقبت تلك المقارنة بمناقشة قضية العدالة الاجتماعية بوصفها القضية المحورية التي شغل بها فكر الشاعر مهدي بندق وتفاعل معها وجدانه.سواء تعرض لها من مدخل التغيير أو الثورة على الموروث كما في (آخر أيام إخناتون) أو من مدخل تحقيق المساواة أمام القانون بين أفراد الشعب الواحد في كل طبقاته وفئاته وحرص السلطة التنفيذية على تطبيقه على كل أفراد الشعب ومدى تحقق ذلك ، كما في (هل أنت الملك تيتي؟ ) وهو عنوان يوجه الاتهام غير المباشر للحكام المعاصرين ، لأن الملك تيتي كان حريصاً على إفشاء العدالة الاجتماعية على شعبه ، وليس الحكام المعاصرون كذلك !! أو من مدخل إشاعة السلام بين أفراد الشعب في المجتمع الواحد؛ كما في (حتشبسوت بدرجة الصفر) حيث يكون احتكاك الحاكم الفرد بأفراد شعبه وبسطاء الناس فيه دليلاً على أن السلم الاجتماعي قائم وأن العدالة الاجتماعية مناط رعاية الحاكم والمساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق معمول بها.
فلا عدالة بدون ذلك ، ودليل الشاعر على صدق ذلك متمثل في شخصية الملكة حتشبسوت التي أثبتت طوال فترة حكمها (1505-1483 ق.م) أن المرأة ليست جديرة – فحسب – بحكم مملكة عظيمة هي مصر وإنما فاقت في تدبيرها وإشاعتها للسلم الاجتماعي إمكانات الرجال من الملوك والحكام ، حينما اضطرتها التقاليد والموروثات إلى التقنع بقناع رجل . والمسرحية بذلك الطرح ، إنما تدفع بقوة نحو فكرة مساواة المرأة بالرجل في كل الحقوق والواجبات ، فهو أمر يحقق العدالة الاجتماعية ، وذلك جنباً إلى جنب مع مطالبة الشاعر بحق الطبقات الفقيرة الكادحة برفع صوتها مطالبة بحقوقها المنتهكة وذلك هو مناط التثوير والحض في هذه المسرحية ؛ فكفالة حق التعبير للصغير قبل الكبير وللفقير قبل الغني دون تفريق عرقي أو اعتقادي يسهم مع المطالب السابقة في تحقيق العدالة الاجتماعية.
ولأن قضية العدل الاجتماعي في مجتمع ما مرتهنة أيضاً بقضية العدل الدولي في تعامل الدول الكبرى مع الدول الأصغر أو الدول المتقدمة اقتصادياً وثقافياً والأقوى عسكرياً مع الدول الأقل تقدماً أو الدول المتخلفة ، لذلك فإن من الموانع المستعصية أمام تحقيق عدالة اجتماعية في دولة ما مثل مصر ، غيبة تفعيل قبول الآخر واحترام حقوقه (في التعبير وفي العمل وفي الحقوق الاقتصادية والاعتقادية والاجتماعية ) إلى جانب احترام الدول الكبرى المتقدمة للدول الأخرى الأقل تقدماً أو الأكثر تخلفاً بعدم التدخل في شؤونها الداخلية والاكتفاء بإقامة التكافل الدولي أو المساعدة دون شروط مجحفة أو ضغوط إذعانية . وهذا ما تحذر منه مسرحية (بسماتيك .. بسماتيك) وتحض على عدم الوقوف عند شعارات العدل والعدالة دون خطوات تحقيق أو تجسيد فعلي لتلك الشعارات على أرض الواقع في العلاقات الدولية.
وإذا كانت الباحثة قد قسمت بحثها إلى أربعة فصول ناقشت في (الفصل الأول ) قضية الاستلهام من المصادر التراثية الفرعونية وقيمتها الموضوعية والشكلية تطبيقاً على الرباعية الفرعونية في مسرح مهدي بندق ، فإن تفاعل المنهج نفسه بركائزه السابقة نفسها في (الفصل الثاني) الذي تعرضت فيه لقضية استلهام الشاعر لمصادر تراثية يونانية وقوفاً عند ثلاثيته المسرحية اليونانية (ريم على الدم – ليلة زفاف إلكترا – مقتل هيباشا الجميلة) معرجة على الأسلوب الفني الذي اتخذه الشاعر في بنائها الدرامي ، وهو (أسلوب التغريب الملحمي)
ولا يبتعد موضوع (ريم على الدم) عن نشدان العدل الاجتماعي باللجوء إلى التمرد على الموجود طلباً لتغييره، وإن استلهم الشاعر فيها أسطورة إغريقية هي أسطورة (ميديا) غير أن الشاعر يستبدل قدرات (ميديا) السحرية بقدرات العلم عند (ريم) لتحقيق التغيير المنشود للواقع المعيش فبالعلم تستطيع تغيير بعض الأمور الجوهرية في الدولة وإعادة صياغتها من جديد لتناسب ما تتمناه للدولة وما تحلم بتحقيقه ومن ذلك تخفيض أعداد قوات الشرطة والجيش ورفع أجور العمال من فائض الأجور التي تم توفيرها بعد الاستغناء عن أعداد مناسبة من الشرطة والجيش ومع أنه في ظاهره موقف إصلاحي لا أكثر ؛ إلاّ أن ربط تلك الدعوة بمرحلة اجتماعية ومقابلها في فكر مهدي السياسي يجعلنا نقول إن مثل ذلك التفكير الاصطلاحي الترقيعي كان متناسباً مع إمكانات التفاعل الموضوعي لمجتمع السبعينيات المصري.
وتبدو تأثيرات كتاب لينين (الدولة والثورة) ساكنة في (ريم) فهي في تفكيرها الساعي إلى ذبول سلطة الدولة متمثلة – بدءاً- في جهاز سيطرتها الأمنية داخلياً وخارجياً ولكن وسيلتها إلى ذلك مثالية تلفيقية فهي مناقضة للهدف الذي تسعى إليه . والشاعر هنا يستنسخ بطلته الاشتراكية صورة من اشتراكي مصر في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين . صورة من اشتراكي (تحالف قوى الشعب العامل) في اتجاه "التقريب بين طبقات الشعب المختلفة" – حسبما رأت الباحثة – أو بمعنى آخر أكثر قرباً من شعار دولة الستينيات في مصر " تذويب الفوارق بين الطبقات " وما موافقة الملك على منهج (ريم) التلفيقي الذي حمله إليه باهر وقدمه باسمه سوى نسخة طبق الأصل من موافقة رأس النظام المصري في الستينيات على ذلك المنهج التلفيقي ، الذي أقره (سوسولوف) فيلسوف الاشتراكية السوفيتية – حينذاك - .
ومن المؤكد أن مهدي يفكك خطاب ريم السياسي متقنعاً خلف شخصية المؤلف :
" تلك المرأة ترغب أن تخرج عما قدرت لها في القصة
ولهذا تبدو واثقة بالماضي آملة في المستقبل
لكن ماذا يمكن أن تحدثه من تغيير ؟
مسكينة
بعد قليل تسقط في شرك الأحداث
ليس لأحد أن ينقذها مما سجلت أنا بالقلم
كخاتمة للقصة "
يعري مهدي بندق بوعيه الثوري مشروع (ريم) التي لم تتعلم من تجارب الماضي المتمثل في (فايمر) ومشروع الشيوعية التلفيقي في إبقائهم على قواعد النظام الرأسمالي القائمة وأسسه القانونية ، كما لم تتعلم مما حاق (بكميونة باريس) حيث أدى الفكر التلفيقي للقيادة الثورية - آنذاك - إلى عدم تأميم البنوك وبذلك حدث الارتداد ومن ثم القضاء على الثورة الطبقية العاملة في فايمر الألمانية وعلى الثورة الطبقية العمالية في فرنسا.
ومهدي متقنعاً خلف شخصية "المؤلف" يعيد إنتاج تجربة التلفيق في فكر اشتراكي تحالف قوى الشعب العامل في مصر الستينيات.
وقد ذهبت الباحثة في اتجاه آخر مناقض في تحليلها لخطاب (المؤلف) ‘إذ رأته مستفزاً للمتلقي وحاضاً له على الانضمام إلى ريم ومشاركتها في تمردها على ما رسمه لها المؤلف (ص ص 54 – 55 من البحث) وفي رأيي أن ذلك ليس فكر مهدي بندق فهو ضد فكر الستينيات التلفيقي والمستقرئ لمجمل خطابه الفكري في كل ما كتب شعراً أو نثراً في مجال الإبداع أو في مجال النقد أو التنظير يعلم تمام العلم أن فكر (ريم) لم يكن فكره بأي حال من الأحوال والمتعمق في الفقرة الأولى أو الفقرة الثانية التي استندت إليهما الباحثة فيما توصلت إليه من أن المؤلف "يعمد" إلى إثارة المتلقي نحو الفعل ، لينضم إلى ريم " (ص55) يدرك ذلك :
" المؤلف : حتى أنتم يامن ترتعبون لما سوف يكون
حتى أنتم .. لا تهتمون سوى "بالفرجة"
وأنا واثق بأنكمو لا تعترضون على وصفي لكمو بالسلبية "
(النص المسرحي الذي استشهدت به الباحثة ص55)

ومن الطبيعي ألا يقدر على تعمق ما يهدف إليه خطاب المؤلف من لم يتدرّع بثقافة سياسية تاريخية تعود إلى سقوط (جمهورية فايمر) المستندة إلى دستور الدولة الرأسمالية النقيض لفكر الثورة وسقوط (كميونة باريس) المتقاعسة عن إدراك الأهمية القصوى – آنذاك- لتأميم البنوك مما ترك أمر السيطرة على ماليات البلاد واقتصادها في أيدي من قامت الثورة العمالية لخلعهم وتغيير النظام الذي هم عمده.
وما سخرية المؤلف من المتلقي التي رأت الباحثة فيها حضاً من الشاعر مهدي بندق للمتلقي على الانضمام إلى مؤازرة ريم ، إلاّ سخرية من شعب تتمكن فيه زعامة اسمها (ريم) تحمل فكرة تلفيقية تسعى إلى حل الجيش وحل الشرطة في مسيرة نضال مزيف نحو إلغاء سلطة الدولة وزيفه مؤكد بمؤازرة (الملك) رأس النظام المتسلط. فأي ملك هذا الذي يوافق على تفكيك أجهزة نظمه الدفاعية والأمنية ؟! أليس هذا هو التلفيق بعينه ؟ وإلاّ فماذا يكون ؟!
لقد ولعت الباحثة بالجري وراء رصد الضمائر المتصلة بالأفعال أو المنفصلة عنها إثباتاً لمنهجها في تحليل المحتوى ؛ وحملت التحليل تبعة الوصول إلى فهم سياسي ، دون خبرة بإحالات الشاعر المفكر والمناضل الوطني مهدي بندق ، ودون تعمق للمسكوت عنه في خطاب (المؤلف) فيما أوردته من شواهد النص المسرحي ولذلك قلت في بداية هذه المقدمة إنني مشفق على الباحثة الشابة من التحليق بدابة تحليلاتها في دوامات رياح التعبيرات الشعرية المقترنة ببرق الفكر وقصف الرعد في فضاء مهدي بندق الشعري الدرامي.
وتأكيداً لما ذهبت إليه في أن مهدي يفكك خطاب الاشتراكية الزائفة اشتراكية ريم – واستشهد بكلام المؤلف بعد ذلك بقليل :
" هاأنذا
سأعيد بناء القصة في عصر غير العصر
لأؤكد أن الإنسان
ما هو إلاّ فأر يدخل آلاف المرات
في مصيدة من صنع يديه
لأؤكد أن الإنسان
يرغب أن يبقى في قصر التيه "
ومن الغريب أن الباحثة رأت في هذا الاتهام الذي وجهه الشاعر للطليعة الثورية التي تكرر الخطأ نفسه الذي وقع فيه ثوار (فايمر) وثوار (كميونة باريس) فتحسبه يتهم الجمهور !! (البحث ص ص 57 – 59)
ولأن مهدي بندق رافض لخطاب تحقيق اشتراكية ريم أو لأسلوبها التلفيقي في تحقيق هدف استراتيجي لذلك يفكك خطاب التجربة العملية للاشتراكية السوفيتية في المسرحية التالية : (ليلة زفاف إلكترا)
ولا يختلف منهج الباحثة في تحليلها للمحتوى عن منهجها في المسرحيات الفرعونية المصادر فقضية الصراع
الأيديولوجي التي تناقشها هي قضية الصراع على منهج تحقيق العدالة الاجتماعية وكشف عن فشل تجربة الثورة لما انطوى عليه صراع قياداتها البيروقراطية الفاشية في جوهر ذواتهم الفردية المتسلطة باسم الديمقراطية المركزية (سلم لي حريتك الشخصية في البداية لاصطنع بها أممية حرة سترد عليك حريتك) أليست هذه لعبة دخول الفأر في المصيدة تلك التي أشار إليها المؤلف في المسرحية السابقة (ريم على الدم) ؟! ومع ذلك فأود أن أشير إلى المنحى التأصيلي الذي اتخذته الباحثة في بداية تحليلها للمسرحية (ليلة زفاف إلكترا) إذ توقفت عند المعالجات القديمة لأسطورة (الكترا) في إطار الرجوع إلى المصادر التي استلهم منها الشاعر في إعادة إنتاجها للأسطورة وتفكيكها بأن يلجأ – كما يفعل بريخت – إلى تفريغ الأسطورة من محتواها التراثي ليعيد بناءها في شكل جديد ومحتو حداثي.
وفي (مقتل هيباشا الجميلة) تعرض الباحثة لقضية التعصب الديني وتوظيف جماعات الظلام للدين لأغراض سياسية ، انطلاقاً من المصدر التاريخي وطبيعة الاستلهام مع تأصيل الحدث بالرجوع إلى معالجته في الأدب العالمي وهذا أصل في البحث العلمي تحمد الباحثة على مراعاتها.
وسارت الباحثة في الفصل الثالث على المنهج ذاته حيث تعرضت للثلاثية الإسلامية (السلطانة هند – غيلان الدمشقي – الشريفة بنت صاحب السبيل) وبتناولها لهذه الثلاثية تختتم الباحثة تحليلاتها كشفاً راصداً للمحتوى – مع التركيز على المصادر والاستلهامات والقضايا التي عنى الشاعر نفسه بإعادة إنتاجها في مسرحه الشعري والتي تتماهى مع قضايانا المعاصرة مع أنها قضايا وأحداث منها ما كان في ا لقرن الهجري الثاني (نهاية العصر الأموي : "غيلان الدمشقي") ومنها ما كان في القرن الخامس الهجري : ( الشريفة بنت صاحب السبيل) ومنها ما كان في القرن التاسع الهجري : (السلطانة هند " في عصر المماليك") وتتمحور القضايا في تلك المسرحيات حول مسألة الحرية والجبر ودور الزمن في تفعيل هذه المسألة وهي نصوص تتمحور حول قضية الصراع على السلطة والدور الخفي الذي تلعبه (القابال) منذ زمن بعيد في تحريك عوامل الصراع تفتيتاً لوحدة هذه الدول العربية والإسلامية.
أما الفصل الرابع والأخير فقد عقدته الباحثة لتحليل المحتوى الدرامي للأبنية في عشر المسرحيات التي تعرضت لها بالتحليل والدراسة ومع أن عنوان الفصل هو (البناء الفني) ، إلاّ أن الباحثة خلطت بين البناء الدرامي والبناء الفني ، إذ ناقشت المحتوى الدرامي (الشخصيات – الصراع – اللغة: الحوار ، السرد ، النص
المرافق أو الموازي " الإرشادات") وتأكيداً لمنهج تحليل المحتوى لجأت الباحثة إلى أسلوب الجداول حيث قسمت الجدول على النحو الآتي : (اسم المسرحية – العنصر المرافق (الإرشاد) كالشمس أو الشمس والسحب – القمر أو القمر والسحب البرق – السحب) وقد أجملت الباحثة ذلك كله وسحبته على تلك العناصر جملة وتفصيلاً.
وتهمني الإشارة هنا إلى أن البناء الفني هو ذلك البناء الذي يتضمن روح الشاعر وبصمته الذاتية الدالة على خصائص أسلوبه والطبيعة المتفردة في ذلك الأسلوب بما يكشف عن تميز أسلوبه وقوة تقنعه خلف شخصيته أو أكثر من شخصياته ويكشف عن إيقاع فكره وإيقاع لغته وتباينها ما بين شخصية وأخرى وما بين تخلص درامي وما يليه واستخلاص السمة العامة لفن الشاعر . وهذا مغاير تمام المغايرة عند الحديث عن البناء الدرامي لأن لكل نص أو إبداع أركان متوحدة أو شبه متوحدة (شخصيات – فكرة – لغة – حبكة) وله خصوصية أسلوبية تميز مبدعه - غالباً – .
وفي الختام أجملت الباحثة أهم النتائج التي توصلت إليها وصولاً إلى ثبت بالمصادر والمراجع.
وأود في النهاية الإشادة بجهد الباحثة وبحرصها على الإمساك بالمنهج.

د. أبو الحسن سل
اّم

lol! lol! lol!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://masrh.dahek.net
 
د. أبو الحسن سلام :-- المسرح الشعرى ولا عزاء للنقاد
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
اللجين  :: أدب وفن-
انتقل الى: